ابن قيم الجوزية
535
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
الفاسدة . وقالوا : إذا تعارض العقل والنقل ، قدمنا العقل ، وعزلنا النقل . إما عزل تفويض ، وإما عزل تأويل . والثاني : للمتكبرين من المنتسبين إلى الفقه ، قالوا : إذا تعارض القياس والرأي والنصوص ، قدمنا القياس على النص . ولم نلتفت إليه . والثالث : للمتكبرين المنحرفين من المنتسبين إلى التصوف والزهد . فإذا تعارض عندهم الذوق والأمر ، قدموا الذوق والحال . ولم يعبأوا بالأمر . والرابع : للمتكبرين المنحرفين من الولاة والأمراء الجائرين ، إذا تعارضت عندهم الشريعة والسياسة ، قدموا السياسة ، ولم يلتفتوا إلى حكم الشريعة . فهؤلاء الأربعة : هم أهل الكبر ، والتواضع ، التخلص من ذلك كله . الثاني : أن لا يتهم دليلا من أدلة الدين ، بحيث يظنه فاسد الدلالة ، أو ناقص الدلالة ، أو قاصرها ، أو أن غيره كان أولى منه . ومتى عرض له شيء من ذلك فليتهم فهمه ، وليعلم أن الآفة منه ، والبلية فيه ، كما قيل : وكم من عائب قولا صحيحا * وآفته من الفهم السّقيم ولكن تأخذ الأذهان منه * على قدر القرائح والفهوم وهكذا الواقع في الواقع حقيقة : أنه ما اتهم أحد دليلا للدين إلا وكان المتهم هو الفاسد الذهن . المأفون في عقله ، وذهنه ، فالآفة من الذهن العليل . لا في نفس الدليل . وإذا رأيت من أدلة الدين ما يشكل عليك ، وينبو فهمك عنه فاعلم أنه لعظمته وشرفه استعصى عليك ، وأن تحته كنزا من كنوز العلم . ولم تؤت مفتاحه بعد هذا في حق نفسك « 1 » . وأما بالنسبة إلى غيرك : فاتهم آراء الرجال على نصوص الوحي ، وليكن ردها أيسر شيء عليك للنصوص ، فما لم تفعل ذلك فلست على شيء . ولو . . ولو . . وهذا لا خلاف فيه بين العلماء . قال الشافعي ، قدس اللّه روحه : أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يحل له أن يدعها لقول أحد . الثالث : أن لا يجد إلى خلاف النص سبيلا البتة . لا بباطنه ، ولا بلسانه ولا بفعله ، ولا بحاله ، بل إذا أحس بشيء من الخلاف : فهو كخلاف المقدم على الزنى ، وشرب الخمر ، وقتل النفس ، بل هذا الخلاف أعظم عند اللّه من ذلك ، وهو داع إلى النفاق ، وهو الذي خافه الكبار ، والأئمة على نفوسهم . واعلم أن المخالف للنص - لقول متبوعه وشيخه ومقلّده ، أو لرأيه ومعقوله ، وذوقه ، وسياسته ، إن كان عند اللّه معذورا ، ولا واللّه ما هو بمعذور - فالمخالف لقوله لنصوص الوحي أولى بالعذر عند اللّه ورسوله ، وملائكته . والمؤمنين من عباده .
--> ( 1 ) لأنك لم تأخذ له السبيل السوي من صدق الإخلاص والضراعة إلى اللّه مقلب القلوب ، ولأنك لم تأخذ الأسباب المصفية لذهنك المنظفة لقلبك ، من صدق التوجه إلى هدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لتستأهل هذا الكنز .